الأحد، أبريل 09، 2017

نشتري خس أونلاين

أبحث عن ملقاطي باستماتة بين آلاف الكراكيب، أخبئ الأغراض من مارية ثم أنسى أين خبأتها.. حسنًا، شراء ملقاط جديد أهون من محاولاتها لبلعه أو وضعه في أذنها.. علي أن أشتري واحد جديد إذن 

أفكر أن أبحث عن واحد في تطبيق الهاتف العظيم الذي اكتشفته مؤخرا، تطبيق من تطبيقات الشراء أون لاين ولكن للبقالة.. تدخل لتقوم بتنقية الخضرة والبامبرز ومسحوق الغسيل أونلاين ليتواصل التطبيق مع أقرب سوبرماركت منك وتأتيك مشترواتك وانت قاعد مكانك.. عالم آخر، عالم منعزل عن الشقا.. له شقاه ولكن بمحددات مختلفة تماما، المهم، تفتكروا ممكن أطلب ملقاط أونلاين؟

..

أصاب كثيرا بـ "الهوم سكنس" الساذج جدا..
في ليالي الخميس تحديدا أتخيل تجمعات وهمية كان من الممكن أن تحدث في شقتي.. صخب الأصدقاء وضحكاتهم وعشرات السجائر وتذمري من رائحة الدخان التي سيحث الجميع على شتمي بالأم وسيقولون لي صراحة "لو مش عاجبك انزلي انتي".. أولاد أصدقائي يسصبحون أصدقاء لمارية، تسأل عليهم طوال الأسبوع وتنتظر لقاءهم وسأنشغل أنا عن الضحك والحكاوي الدائرة في الجلسة بفض الاشتباكات بينهم وأستمر في التذمر.. ولكنني سأقدس هذه البهجة ورفقتها مدى الحياة

أغرق في خيالاتي وأصل لتفاصيل الحوار بل وأضحك على الإيفيهات، أقرر أن هذه هي صورة مصر في بالي.. أتناسى تماما كل الملحقات، كل الخراء الذي تركته ورحلت، أتناسى أنني في دوامة الحياة وأكل العيش والمواصلات لم أكن أقابل أصدقائي أصلا وكانت صلتنا مشابهة لما يحدث الآن بالظبط.. رسالة فيسبوك كل مدة ولايكات وكومنتات

..

ما إن أفتح التطبيق إياه حتى أنسى موضوع الملقاط وأغرق في قسم الفاكهة والخضروات.. وبينما أضغط بإصبعي على صورة لفة الخس كي أضيفها لسلة المشتروات حتى أنفجر فجأة في الضحك.. "بنشتري الخس أونلاين؟ هي وصلت لحد كدة؟" أشتري علبة فراولة أيضًا، سألتني عليها مارية البارحة ونسيت أن أشتري لها واحدة.. أحاول ألا أفكر في أحلى فراولة بلدي ذقتها في حياتي، أتذكر جيدا أننا اشتريناها من بائعة تجلس في إحدى شوارع الهانوفيل في إحدى المصايف.. كانت فراولة مرملة ومسكرة تذوب في الفم، حمراء للغاية من الداخل وينساب منها العصير ما إن تأخذ قضمة.. لا تشبه الفراولة التي طلبتها الآن، يمكن أن تقول عنها أنها كمثرى متنكرة بصورة فراولة وانت قلبك مستريح.. كمترى مش مستوية كمان! 

أحاول أن أتناسى طعم تلك الفراولة الذي لا يزال في حلقي حتى لا يصيبني المزيد من الهوم سكنس الساذج، علي أن أتذكر جيدا أن هذه الفراولة لم تعد موجودة في شوارع القاهرة ولا اسكندرية وأن هذه الحدوتة أصبحت كحواديت الأجداد عن الخير في مصر زمان.. وأنني على الأقل متأكدة الفراولة المجرمزة اللي طلبتها أونلاين ليست مسرطنة، ولا مفخخة!

عندما أشتكي -ولو لنفسي- من مشاكل الغربة أشعر بأنني مدللة للغاية، وأحيانا أشعر إني معنديش دم.. بينما أغرق في خيالاتي السنتمنتالية عن كل اللحظات المثالية التي أفوتها في سبيل حياتي خارج البلد، هناك من سيبيت بطفلة مغتصبة، وأخت شهيدة وأب مكلوم وأخ معتقل وأم فاقدة للنطق.. هناك طفل ارتدى ملابس العيد وخرج خروجة العيد المنتظرة ليحضر فاجعة لن ينساها مدى حياته.. هذا إن نجى أو نجت عائلته، ربما خرج بعائلة وعاد يتيمًا

بينما أتذمر من دوامة العمل وأنني أنتظر أشهر وأشهر حتى ألتقط أنفاسي، هناك الملايين ممن سيظلون في معجنة الدوامة بلا طائل، بلا عائد مادي ولا معنوي ولا أمل في أي إجازة مستقبلية حقيقية.. أو مكافأة على كل التعب والهري، أو أي حصاد من أي نوع

..

أعيد الفر في الاختيارات المتاحة في تطبيق الهاتف، أشعر بأنني أزداد بلاهة وسذاجة ولكنني أتمنى في هذه اللحظة لو أتمكن من طلب مئات العجائن الجاهزة للخبز لكل صديقاتي المطحونات.. أهديها لهن عبر بريد سريع، كي يغلقن التلفاز والهاتف ويصمتن تماما ليستغرقن في مراقبة انتفاخ العجينة الذهبية في أفرانهن..

وتدوخهن رائحتها الدافئة، بينما يحترق العالم في الخارج.